المستحيل الثاني كان مشروع جبل علي. هذا المشروع الذي لم يستغرق بناؤه سوى سنتين فقط كان في عام 1979 مشروعاً سابقاً لأوانه. إنه مشروع خرافي قياساً إلى إمارة دبي الصغيرة، ولا أعتقد بوجود دار استشارية كانت ستضع له الجدوى الاقتصادية. لو كنت قلت لمستثمرين كبار : هذه منطقة اسمها جبل علي، وهي، كما ترون، منطقة نائية لا ماء فيها ولا شجر ولا بشر وأريد ان أبني عليها أكبر ميناء صنعه الإنسان في العالم مع أن في دبي أكبر ميناء في الشرق الأوسط هو ميناء راشد الذي يضم 35 رصيفاً، فهل كان المستثمرون سيوافقون على توظيف مئات الملايين من الدولارات في مشروع مثل هذا؟ سيقولون أن هذا المشروع مستحيل. لماذا مستحيل؟ لأن العالم كان يمر آنذاك بفترة ركود عميق. كنا قبل سنتين أو ثلاث سنوات من ذلك التاريخ نرى 300 أو 400 سفينة راسية في عرض البحر تنتظر دورها لتفريغ حمولاتها ثم اختفت كل تلك السفن بسبب الركود.
ولماذا ايضا؟ لأن المعتاد ان يذهب الناس بالميناء إلى البحر، لكن والدي كان يريد ان يأتي بالبحر إلى الميناء عبر المساقات المناسبة لغواطس السفن إلى الأرصفة. كثيرون انتقدوا والدي على التفكير في تنفيذ هذا المشروع في تلك المنطقة التي تقع على بعد 35 كيلومتراً جنوب غربي دبي وفي تلك الفترة بالذات لأسباب بدت لهم منطقية جداً، وكثيرون توقعوا للمشروع الفشل، لكن والدي رأى المشروع في إطار رؤية متأصلة تكاد تكون فطرة فنفذه رغم كل شيء وحرك إمارة دبي وصنع شيئاً عظيماً من لا شيء.
لا أريد الإطالة في الحديث عن المستحيلات التي قهرها المرحوم الشيخ زايد ووالدي المرحوم الشيخ راشد خلال بناء الاتحاد، لأن الشواهد موجودة في كل أنحاء الدولة وعلى كل المستويات لذا سأكتفي بالقول إنهما أخبر من عرفتهم بتذليل العقبات وقهر المستحيلات وترجمة الرؤى إلى واقع أوصل الإمارات إلى المكانة الرفيعة التي تحتلها اليوم، ولا عجب إذا في أنهما مثالاي الأعليان. تأصيل الرؤية
الرؤية الأصيلة ليست رؤية المنام بل رؤية المستقبل لذا ينبغي على القائد أن يتمسك برؤيته انطلاقاً من قناعته التامة بأنه يرى في المستقبل مالا يراه الآخرون حوله، وأن رؤيته ستحقق الأهداف المرسومة لها. لكن على القائد في الوقت نفسه أن يتقبل انتقاد رؤيته وأن يكون مستعداً للدفاع عنها وإقناع الآخرين بصوابها وجدواها وتذليل كل الصعاب التي يمكن ان تعترض طريق تنفيذها. 1- مقومات الرؤية القيادية الصحيحة :
يجب ان تقوم الرؤية على مصالح محددة وتجيب عن أسئلة مهمة :
أ- ما هي مصلحة البلد في هذه الرؤية؟ ما هي مصلحة المجتمع؟ ما هي مصلحة قطاع الأعمال؟ من سيستفيد منها وكيف؟ كيف يمكن ان تدعم هذه الرؤية الجهود وتكمل الإنجازات التي تحققت نتيجة تنفيذ الرؤى الأخرى؟
ب- هل هي رؤية قائمة استناداً إلى خطط معينة أم أنها خبط عشواء لا علاقة لمرحلة تنفيذية خاصة بها بالمرحلة الثانية؟
جـ- هل هي واقعية قابلة للتنفيذ ام خيالية تستعصي على التنفيذ مهما تكن قوة الإرادة وتكريس الموارد المالية والبشرية لتنفيذها؟ مثلاً بناء مجمعات عقارية وسياحية عملاقة مثل جزر النخلة وجزر العالم في البحر يتطلب إمكانات كبيرة، وربما عجزت عنها دول أكبر منا، لكن هناك فرقاً كبيراً بين بنائه في الإمارات وبنائه في كوكب زحل!
د - ما هو التوقيت الأمثل لطرحها؟
هـ- ما هي أفضل الطرق لتنفيذ الرؤية؟
و - هل يتوافر فريق العمل الذي سينفذ الرؤية؟ من سيضم، ومن أين سنحصل على المهارات التي يتطلبها تنفيذ الرؤية؟
ز - ما هي مصادر تمويل الرؤية؟
ح - ما هي عناصر خطة إقناع المستثمرين بالمشاركة في تمويل الرؤية؟
ط - ما هي عناصر تسويقها بعد تنفيذها، ولمن سنسوقها، وأين، ومتى؟ 2- مواصفات الرؤية القيادية الصحيحة :
أ- أن تجسد الامتياز في الشكل والمضمون والتنفيذ.
ب- أن تكون عناصرها ومحاورها مشبعة بالخيال.
جـ- أن تتسم بالشمولية واتساع الأفق.
د - أن تكون واضحة لأن وضوحها يسهل تطبيق أهدافها.
هـ- أن تتضمن قدراً مناسباً من التحدي ليس لفريق العمل فقط بل لكل أفراد المجتمع.
و - أن يكون لطرحها وقع المفاجأة.
ز - أن تثير العزائم وتشحذ الهمم وتضرم الإبداع والمبادرة في الناس وتحيي في نفوسهم الرغبة في المنافسة.
ح - أن تنأى عن سهولة التنفيذ فتقترب من حدود المستحيل دون أن تصل إليه.
ط - ألا يطرحها القائد قبل أن تختمر في ذهنه ويستكمل بلورتها وربط عناصرها.
ي- أن تكون الفائدة منها عامة والخير شاملاً وألا يكون محصورا بفئة، أو فئات محددة من الناس.
ك - أن تكون إيجابية وأن تعزز تفاؤل الناس بالقائد وبالمستقبل وببعضهم بعضاً، وتقوي ثقتهم بوطنهم وقيادتهم وتعمق انتماءهم الوطني والقومي. 3- تنفيذ الرؤية القيادة الصحيحة، ويتضمن :
أ- خطة العمل : الرؤية بالنسبة لي بوابة إلى خطة عمل متكاملة من ألفها إلى يائها ومقسمة إلى مراحل عدة لكل منها مدة تنفيذ محددة خاصة بها. عندما أقدم رؤيتي لمشروع معين يجب أن تكون رسالتي واضحة لجميع المعنيين بتنفيذها : هذه هي رؤيتي، أريد تنفيذها بالصورة الآتية وخلال هذه المهلة المحددة، وأريد من هذا المشروع تحقيق هذا الهدف وذاك والآخر، وأريده ان يعمل بهذه الطريقة، وهذا هو عدد الشركات التي ستساهم فيه، وهذا هو فريق العمل الخاص بالمشروع، وها هي مصادر التمويل، وهذا ما أتوقعه منه بعد تنفيذه فاستعدوا جميعاً وابدأوا العدو لتحقيقه على بركة الله.
ب- مراحل العمل : إن معرفة كل مرحلة من مراحل الرحلة في الطريق إلى تنفيذ الرؤية حاسمة، لكن يجب على القائد ان يعرف وجهته النهائية. نحن لا نركب السيارة ونقودها في الشوارع من دون ان نعرف إن كنا نريد ان نقصد العين أو ابوظبي. الطريق إلى ابوظبي يعني دخول شارع محدد. الوجهات الأخرى لها طرق أخرى يجب ان أعرفها مسبقاً.
جـ- حشد الطاقات : التحدي الأكبر الذي يواجه القائد هو دفع جميع المعنيين بتنفيذ رؤية معينة في اتجاه تحقيق هذا الهدف المشترك وحشد كل الجهود والطاقات لتحقيق نجاحها. رؤيتي ليست حلماً بحيث تكون مهمتي هي أن أراه في منامي ومهمة الآخرين تحقيقه لي. لا يمكن ان أقعد في مكتبي وانتظر معجزة تحقق رؤيتي. هذا يتطلب عملاً جماعياً منظماً على أعلى درجات الدقة والالتزام. إن مبدأ جماعية العمل ينطبق على الرؤية المحددة التي تتضمن مشروعاً محدداً لكنه ينطبق في صورة أعم وأشمل بكثير على الرؤية الأعم والأشمل. فمثلاً عندما قدمت رؤيتي لجعل دبي المركز العالمي المفضل للمال والأعمال خلا النصف الأول من القرن الواحد والعشرين طلبت من سائر الدوائر والمؤسسات الحكومية والمعنيين بتنفيذ هذه الرؤية التكاتف والعمل معاً كل في مجاله لتحقيق هذه الرؤية وجعلها حقيقة واقعة وطرحت عليه الأسئلة الآتية : كم دائرة لديها خطة استراتيجية مستقبلية؟ هل توجد رؤية لكل دائرة؟ هل تم تحديد عوامل النجاح والأهداف المستقبلية لكل دائرة؟ هل شارك الموظفون في تحديد ذلك أو على الأقل هل تم تعريفهم برؤية الدائرة ورسالتها؟ لكن تحديد إطار العمل شيء والبدء به شيء آخر لذا لم أكتف من جميع الحاضرين بإعداد خطة استراتيجية مستقبلية تحديد الرؤية وعوامل نجاحها وأهدافها المحددة خلال مهلة معينة فقط، بل عرض كل الخطط بعد استكمالها علي شخصياً خلال مهلة معينة تمهيداً لدراستها وتعديلها واستكمال نواحي النقص فيها قبل إقرارها وتنفيذها كجزء مكمل للرؤية.
د - فريق العمل : إن اختيار الفريق من المتميزين والناجحين والمبدعين والمتحلين بروح المبادرة لتنفيذ رؤية معينة هو من أقصر الطرق إلى النجاح.
هـ- التوقيت : وضع الخطط المستكملة الكاملة لا يعني شيئاً على الإطلاق ما لم توضع هذه الخطط موضع التنفيذ وفق جدول زمني صارم. يجب على القائد أن يحدد فترة معلومة لتنفيذ كل رؤية بذاتها وكل مرحلة من مراحل الرؤية أو الرؤى التي يريد تحقيقها. رؤيتي ليست مشروعاً ذا مدة مفتوحة لتنفيذها، وأنا لست صاحب الرؤية الوحيد في العالم. كثيرون عندهم رؤى ربما كانت أكبر من رؤيتي وتمويل أكبر من التمويل المتاح لي، والطريقة الوحيدة لكي أنقل رؤيتي إلى الواقع هي تنفيذها قبل غيري. الفرق الأهم في النهاية بين رؤيتي ورؤية الآخرين أنني استطيع تنفيذ الرؤية وهم ربما لا يستطيعون. التوقيت حاسم ايضا لمرحلة أخرى هي التسويق، لذا فإن موعد التسليم بالغ الاهمية ويجب الالتزام به مهما تكن الظروف. |