الإصلاح الإداري
يعجبني الإنسان الذي يخاطبني بالصراحة التي ينطق بها قلبه ويقول ما يريد قوله بلا خوف أو مجاملة أو حياء. كيف يتعلم القائد من أخطائه إن قال له البعض ما فعلته بخصوص كذا وكذا كان حسنا مع أنهم يبطنون رأياً آخر؟ تعلمنا نحن القياديين ان نأخذ في الاعتبار ما نسمعه من شخص بسيط، وأنا شخصيا تعلمت من جنود أفراد في جيشنا ووجدت رأيهم صائباً رغم خبراتهم المحدودة.
الشخص الذي أخصه بكلامي من القريبين وهو يصارحني دائماً وجاءني في جلستي الخاصة وقال لي أن الإداريين يصرفون وقتاً طويلا في متابعة برامج التطوير الإداري في دبي وهذا هدر لوقت يمكن أن يستفيدوا منه هم ونحن. أردت التفكير بما قاله فلم أجبه وقتها ثم أخترت لقاء عاماً قريبا شرحت فيه رأيي.
لدى القائد رؤية وهدف ويعرف الطريق الذي يمشي فيه ويبدع في هذا الطريق ولا يستطيع التوقف أو اختصار المسافة لأن معنى هذا اختصار الهدف. الوقت الذي نصرفه في درس موضوع مهم مثل تميز الأداء لم يكن إضاعة للوقت بل خطوة أولى إلى أهداف أكبر ورؤية أوضح. عندما أقول لمن يحضر مثل هذه اللقاءات إنني سعيد لوجودي بينهم فإنني اقصد تماما ما أعنيه. نحن في الإمارات فريق واحد ونحب أن نعامل بعضنا بعضا كأعضاء في الفريق نفسه ونعتبر وجودنا في مكان واحد خطوة إيجابية مهما يكن السبب. حتى لو تحول اللقاء أو الاجتماع أو المحاضرة أو الندوة إلى جلسة نقاش عامة، أو التقينا على القهوة في ما بين الجلسات فإن هذا مكسب كبير للجميع لأن الحوار وتبادل الآراء طريقان أكيدان لبلورة الأفكار والوصول إلى القرارات الصحيحة.
اقتصبنا شيئاً عن السلوك الإداري ونعلي عليه ما ورد في الحديث الشريف : (ان الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا ان يتقنه). نحن في الإمارات نحن ان نتقن الأعمال التي نقوم بها. اللقاءات فرصة لكي نتناقش ونتحاور ونتواصل ونستعرض إيجابياتنا وسلبياتنا ففي كل مجتمع هناك سلبيات وإيجابيات، والخطأ والصواب من طبيعة البشر لا فرق في هذا بين الموظف ورئيس الدائرة أو بين رئيس الدائرة والقائد.
إذا شعرت بضيق من أحد فلا أخفيه ويجب ان يعرف السبب فوراً. لا أغفو في قيلولة، لكن عندما أنام ساعتي القليلة ليلاً فنومي راحة وطمأنينة لأنني لا أضمر شيئاً في قلبي. أحب ان يصارحني الناس... وأن اصارحهم. أتقبل النقد لأنه ربما أرشدنا إلى الطريق القويم وأتوقع من الناس أن يتقبلوه مثلي وللهدف نفسه. الإنسان يقول : المدير الفلاني يعمل بكل اجتهاد وتراه مشغولاً طول الوقت. يدخل المكتب صباحاً ولا يخرج الا بعد آخر الدوام. هذا المدير بالنسبة لي مدير فاشل ولو كان مجداً. إن لم يطور نفسه ويطور دائرته ويحسن الخدمات التي تقدمها ويزيد الفاعلية والانتاجية فهو مدير فاشل ومضياع للوقت رغم كل شيء. إذا كان يريد ان يشتكي فليشتك نفسه أولاً ولينتقد نفسه أولاً وليحاسب نفسه أولاً لأنه منح كل الصلاحيات التي تمكنه من أداء مهمته لكنه لم يطور نفسه ولم يطور دائرته.
يعمل الله أنني لا أقصد شخصاً معيناً بكلامي لكن يجب أن يتأكد الإداريون أنهم ان لم يطوروا القطاع العام بسرعة فإن هذا القطاع سينتهي إلى الانقراض على يد التخصيص. إذا استثنينا الشؤون السيادية والأمنية فلا يوجد في اختصاصات القطاع العام ما لا يستطيع القطاع الخاص القيام به. القطاع العام ليس محل منافسة مع القطاع الخاص لكن الطريقة الوحيدة لاستمراره هي ان ينخرط في السباق التنافسي ويرفع الفاعلية والانتاجية إلى مستويات عالية، وينزل قادته إلى أرض الميدان للتحاور مع زملائهم ومع رجال الأعمال والتجار كبارهم وصغارهم والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم والتعرف إلى آرائهم بالخدمات المقدمة والمشاريع المنفذة. هذه هي الطريقة المثلى لتحسين الخدمات وتطوير الأداء. هل نستطيع ان نفعل هذا؟ طبعاً، لكن علينا ان نتطور بسرعة.
الإداري الذي يحاول ان يقوم بكل شيء سينتهي إلى القيام بلا شيء على الإطلاق لأنه سيغرق نفسه بالتفاصيل وسيهتدي إلى كل الطرق الجانبية التي يراها لكنه سيضل الطريق الكبير. الصغائر والكبائر موجودة في كل الأعمال فليركز الكبير على الكبائر وليترك الباقي لمرؤوسيه وليصرف جزءاً من الوقت الذي كسبه من ذلك على متابعة أدائهم. إن لم يفعل فهو وإدارته في مأزق لا مبرر له.
التيسير والتعقيد
أفقت مرة من غفوة عميقة في عتمة الليل على لهاث صاخب فوق وجهي ففتحت عيني مندهشاً وإذ بهذا الرأس الضخم يطل علي بعينين بارقتين وفكين مفتوحين كان النفث القريب يخرج منهما ويسقط حاراً متسارعاً على وجهي. كنت يافعاً وقتها وكنت في غرفتي في مزرعتنا في العوير، وكان الحرارة عالية في تلك الليلة فتركت النافذة مفتوحة. وكان عندنا أسد ربّيناه صغيراً فكبر مع الزمن واشتد به العناد وصار التعامل معه صعباً والسيطرة عليه عسيرة فإن رأى جملاً راح إليه وإن رأى بقرة أو شاة قصدها وهكذا حتى ضج أهل البيت منه ونقلوه إلى المزرعة في العوير. ويبدو أن هذا الأسد الضخم رمى بثقله على قضبان قفصه القديم فارتخت فخرج في غفلة من الحراس، وهام في الحديقة حتى وجد نافذتي المفتوحة فعبر منها إلى مخدعي وعرفني وراح يشمني حتى أيقظني.
الحيوانات الكاسرة تشم رائحة الخائف ويمكن ان تنقض عليه لكني أعرف هذا الأسد الطاعن في السن ويعرفني، ومثله لا يخيفني بل يضايقني لأنني أردته ان ينصرف عني لأنام. حاولت إخراجه من الباب فأبى وحاولت دفعه في اتجاه النافذة ليخرج من حيث دخل فتمنع، ثم خطر لي أن الحل الأسهل من هذا العراك الذي لا طائل منه ان أخرج أنا من النافذة ليقلدني، وهكذا فعلت فلحقني وعدت بسرعة فدخلت من النافذة وأغلقتها ورجعت إلى نومي.
أحياناً أفضل الطرق أبسطها وهناك طريقة بسيطة لخروج الإداري القيادي من مأزق جمع كل خيوط الإدارة بيده هي تفويض الصلاحيات. أحد شروط إقناع القيادات الإدارية بقبول مبدأ تفويض الصلاحيات هو اقتناع القائد بالتفويض والعمل بموجبه، لكن رغم ذلك ستجد دائماً مديرين يضنون بإعطاء بعض صلاحياتهم لاي موظف مهما يكن.
يجب ان يعرف هؤلاء ان التفويض لا يعني التخلي عن الصلاحيات والتنازل عن المناصب للآخرين أو فقدان السيطرة على العمل أو مقدمة للاستغناء عنهم. إنها طريقة أساسية لتمكينهم من تخصيص وقت أكبر للتطوير والإبداع والابتكار والقيادة ورفع الإنتاجية وتمكين المرؤوس المناسب من تطوير طاقاته وقدراته القيادية وبناء صفوف ثانية وثالثة في كل الإدارات والأقسام والوحدات التي يديرها. لذا فإن رافضي هذا المبدأ أسيرو العادة والخوف والشكوك وحماة التقاليد الإدارية العتيقة التي تخنق الإبداع وتعيق الحركة وتمنع التطور من السير بالوتيرة السريعة المطلوبة في عالم اليوم، ومثل هذه المواصفات لا تناسب العصر الذي يتطلب استمرار رفع الأداء والإنتاجية.
تحدثنا كثيراً عن الإنتاجية وتحاورنا وعقدنا الاجتماعات ونظمنا اللقاءات مرة بعد أخرى وعاماً بعد عام وصار الإداريون يعتقدون أنهم يؤدون عملاً جيداً لكن لم نر زيادة في الانتاجية ولم نر من التحسن ما يكفي. وضعنا الخطط وجلسنا في المقعد الخلفي، واعتقدنا ان كل شيء على ما يرام وكل شيء سيدير نفسه بنفسه لكن لم يحدث شيء. لماذا؟ لأننا لم نطور أنفسنا وإدارتنا في البداية بالسرعة المطلوبة.
لكي تكون الإدارة منتجة لابد لها من تطبيق مبادئ الإدارة الحديثة وتحديد معايير التطوير الإداري في الاقتصاد الجديد كما تتجسد في برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز. واذا طبقت هذه المعايير في صورة صحيحة يمكن ان تضمن تحقيق النجاح على مستوى المؤسسة والبلد، لذا أعطيت التوجيهات للدوائر الحكومية للاستفادة من معايير الجودة في البرنامج وعناصره ومتطلباته وتطوير أنظمتها وتحسين خدماتها وتنمية مكامن قوتها وتلافي سلبيات الأداء. وشملت الخطوة التالية تنفيذ خطوة حكومة دبي الإلكترونية، إضافة إلى خطط ومشاريع أخرى معمول بها وخطط ومشاريع كثيرة في مراحل الاستكمال أو الدراسة أو التخطيط.
لقد اقترحت في فصل سابق ان من شروط الرؤية ان تكون واقعية قابلة للتنفيذ، مما يعني ضمناً ان تكون أهدافها واقعية قابلة للتنفيذ، لأن الأهداف الحالمة والتمنيات والرغبات التي لا علاقة لها بالواقع ليست الأهداف التي نفكر بها. أما الباقي فيجب أن نحوله إلى برامج عمل ذات تنظيم مناسب بإشراف مهنيين مناسبين ولابد أن تخضع هذه البرامج والقائمون عليها إلى التقييم والمتابعة والمساءلة للتأكد دائماً من ان سرعة التطبيق تستجيب لسرعة تحرك الاقتصاد العالمي الجديد.
وربما قال البعض ان الإمارات ليست الدولة الوحيدة التي تنفرد بالرؤى التنموية الواقعية القابلة للتنفيذ، وليست الدولة الوحيدة التي تنفرد بوضع المعايير، وليست الوحيدة التي تضع لنفسها أهدافاً واقعية فما هو الفرق؟ أعتقد ان أحد جوانب الفرق هو تعريفنا للواقع. الواقع بالنسبة لنا ليس الواقع الكائن بل الواقع الذي يجب ان يكون. إذا قلنا إن الهدف من جهود الإصلاح الإداري وبرامج رفع مستوى الأداء الإداري تطوير القطاع الحكومي ليصل خلال فترة قصيرة من الزمن إلى مستوى القطاع الخاص في الخدمات وأساليب العمل الإنتاجية فهل هذا هدف واقعي؟ هذا من قبيل التمني حتى في دول متقدمة، لكنه هدف واقعي مئة في المئة بالنسبة لنا.
لدينا هدف واقعي آخر أعتقد أنه بمثابة حلم لدى الآخرين هو أن نجعل القطاع لعام أفضل من القطاع الخاص في الخدمة والفعالية والأداء لا لاننا نريد إعادة عقارب الساعة وإحلال القطاع العام محل القطاع الخاص بل لكي ندفع القطاع الخاص إلى مرحلة جديدة من التميز والفعالية والأداء.
رددت كلمة سباق حتى الآن 20 مرة ولن أمل من ترديدها في باقي صفحات هذا الكتاب لأن هذه الكلمة تلخص ما يحدث في العالم حالياً. الوقت يمضي وعقارب الساعة تدور والعالم يعدو ولن ينتظرنا أحد. لا نستطيع ان نقول لمنافسينا اصبروا علينا لكي نطور أنفسنا وعملنا. لا نستطيع ان نتوقف الآن. لم أبدأ كتابي بمثل الغزال والأسد عن عبث. أنا لم أقصص حكاية بل وجهت تحذيراً لنا جميعاً وأنا أول من يرتدع به :
إن كنا غزلاناً وتوقفنا ستأكلنا الأسود.
وإن كنا أسوداً وتوقفنا سنموت من الجوع.
هل عندكم بديل؟ |