طريقة دبي
إذا أردنا اختصار البنود السابقة فيمكن القول إن هذه المشاريع منفذة وفق الطريقة التي يصفها البعض بأنها (طريقة دبي في عمل الأشياء) ويه تتلخص بالآتي :
أ- بلورة الرؤية.
ب- تحديد الأهداف.
جـ- وضع الخطة.
د- تحديد وقت قصير للتنفيذ.
هـ- حشد الطاقات.
و- إعطاء الإشارة للجميع لكي يبدأوا العدو لتنفيذ المشروع.
وماذا يعني القول : (صنع في دبي)؟ إنه يعني أن العمل المطلوب صنع طبقاً لمفهوم دبي في تحقيق الإنجاز المتميز ووفق معايير ومتطلبات ومواصفات محددة يمكن إيجاز بعضها كالآتي :
1- التفوق :
القصد الحقيقة للامتياز في دبي ليست قصة التفوق على الآخرين بل قصة التفوق على النفس. التفوق على النفس لا يتحقق بإرهاقها. إنه هذا الميل الإضافي الذي تقطعه عندما تعتقد أنك سرت الطريق كله. إنه هذا الجهد الإضافي عندما تعتقد أن وقت الراحة حان، إنه هذا الوقت الإضافي الذي تخصصه للتفكير بالعمل لكن خارج أوقات العمل، إنه هذا العطاء الإضافي عندما تعتقد أنك أعطيت كل شيء، إنه هذه الفكرة الأخرى، هذه المحاولة الإضافية، هذه اللمسة الأخيرة التي تشبه لمسة الرسام الذي يُنهي لوحته ثم ينظر إليها من بعيد ويعود ويضيف إليها شيئاً يعطيها ذاك التفرد الذي يشد انتباه النقاد. إنه أيضاً الاعتقاد الدائم بأن هناك شيئاً كان يجب أن تضيفه أو ان تعدله لكنك لا تعرف ما هو هذا الشيء بالضبط وتظل تفكر به وتبحث عنه إلى ان تجده. التفوق على النفس ايضا هو طرح اليأس جانباً في كل الظروف والتمسك بالأمل والإيجابية والرغبة بالإنجاز وتحقيق النجاح.
2- التغلب على المستحيلات :
لا يوجد تعريف واحد للمستحيل. خارج نطاق المستحيلات البديهية ستجد أن ما كان مستحيلاً قبل عشر سنوات لم يعد مستحيلاً اليوم وما هو مستحيل بالنسبة لشخص ليس مستحيلاً لآخر. إذا لم أستطع قهر مستحيل فلعل السبب أنني لم أجد الطريقة المناسبة لقهره. طريق التغلب على المستحيل هو رفض القبول باليأس. إنه القول : يوجد حل ما في مكان ما بطريقة ما ففكروا معي أين هو؟
3- صهر الجهود في بوتقة النجاح :
النجاح نجاح للمجموعة والفشل فشل للمجموعة والحلقة الضعيفة تُضعف السلسلة كلها مهما تكن قوتها. جميعنا يجب أن يشترك في السباق لذا يجب أن يعرف كل عضو في كل فريق أن نجاح عمل فريقه يتوقف على نجاحه، وأن نجاح فريقه أساسي لتمكين كل فرق العمل الأخرى من النجاح. يجب ان تعرف الإدارة أن إخفاقها في حشد طاقات كل فرق العمل لتحقيق الأهداف المرسومة سيؤدي إلى فشل عمل كل الفرق وستكون هي على رأس هذا الفشل، ويجب ان يعرف القائد انه إذا لم يتقدم الجميع ويوجه الجميع في عملية البناء فلن يتحقق النجاح.
عندما تتضافر كل هذه الخبرات والمهارات وتتناسق وتيرة العمل ويتحقق التكامل فإن الناتج ليس مجموعة من فرق العمل ذات الأداء الفعال، وليس مجرد إدارة فعالة بل فريق عمل واحد. لدينا في دبي اليوم فريق من هذا النوع. إنه أكبر فريق عمل في الشرق الأوسط لكن وراء هذا الفريق فريق أكبر هم أهل دبي كلها لذا لن أتردد في القول إن لدينا أكبر فريق عمل من نوعه في العالم. ما هو المستحيل عندما يتوافر لبلد ما مثل هذا الفريق؟ ما هو المشروع الذي لا يستطيع مثل هذا الفريق تنفيذه وتحقيق النجاح فيه؟ أليس هذا هو الفريق الذي يمكن أن يقول : سننفذه وسنحوله إلى واقع وسنحقق له النجاح فقولوا لنا ما هو المشروع الذي تريدونه؟
4- التجارب الحضارية :
الإصلاح الإداري في دبي كان تجربة لكنه الآن مدرسة. توجد طرق عدة لإنجاز مهمة ما ونحن اخترنا تطوير مدرسة إدارية متميزة عالية الأداء بأسلوب حضاري لأنه من حق شعبنا أن يعامل المعاملة الحضارية التي تليق به وبحضارته العريقة، ولن نكف عن توجيه الدعوة إلى الدول العربية والمديرين العرب للاستفادة من تجربة متكاملة ناضجة بدلاً من اللجوء إلى مدارس أخرى في مدن أخرى ربما اكتشفنا بعد وقت طويل أنها ليست النموذج التنموي الصالح لمجتمعاتنا. حدث هذا في الماضي ولا نزال نعاني منه ويجب ألا يحدث في المستقبل. نريد تعميم تجربة دبي في التطوير الحكومي والإصلاح الإداري والإسهام في تطوير الإدارة العربية وتشجيع كل أداء حكومي متميز يخدم الشعوب العربية بكل الطرق التي نقدر عليها ومنها التعاون مع الجامعة العربية لتخصيص جائزة للتميز الإداري. لقد تقدم أخوة لنا في الدول العربية الشقيقة لهذه الجائزة وكانوا خير سفراء لبلدانهم بعملهم وتفوقهم.
5- صنع ظروف النجاح :
قلت في مكان سابق يجب ألا نستعجل الأمور لكن التنمية عملية صنع خلاق. يمكن انتظار الريح المواتية لتدفع الشراع لكن الريح ليست الوسيلة الوحيدة لإبحار السفينة على عجل بغية اغتنام فرصة تبدت فجأة أو تحقيق السبق في مشروع معين وقطع الطريق على المنافسة لذا فإن بعض مشاريع التنمية تلد ولادة طبيعية بعد مراحل التروي والتخطيط والتأكد من جميع التفاصيل والبدائل، لكن بعض المشاريع يتطلب عملية قيصرية تستدعي القفز فوق المعايير والدراسات وتوفير الظروف الموضوعية في فترة قصيرة جداً.
هذا ينطبق على الاقتصاد الجديد أكثر من انطباقه على الاقتصاد القديم ففي المشاريع التقنية أو التجارة الإلكترونية مبدأ مختلف هو : من يأتي أولاً يبقى أولاً ولنا أمثلة كثيرة على ذلك في ياهو وأمازون ومايكروسوفت و eBay وغيرها. وفي هذه الحالات يمكن مباشرة المشروع ووضع تفاصيله أو التغلب على المشاكل الماثلة أمامه أولاً بأول، إلا أن هذا يتطلب فريق العمل المتمرس المشهود له بالإنجاز، ويضم من برهن على أنه من الذين يعتمد عليهم في الشدائد.
6- الإيجابية :
دبي عنصر تغيير إيجابي يُسهم في إشاعة الإيجابية في منطقتنا وخارجها. لسنا هونغ كونغ أو سنغافورة أو وادي السيلكون أو أي مكان آخر. رؤيتنا مختلفة وطرقنا مختلفة وأولوياتنا مختلفة. نحن نسهم في دفع عجلة التقدم في الإمارات، ونحن على ما نحن عليه بكل إيجابياتنا التي نحاول تطويرها وسلبياتنا التي نحاول التخلص منها بمزيد من العمل والتفاؤل والثقة بالنفس والطاقة الإيجابية. الدين بالنسبة لنا دين ودنيا ونحن ملتزمون بتعاليمه ولا نرى أي تناقض على الإطلاق بين الدين والحداثة أو بين تعاليم ديننا وما تقدمه الحضارة الصحيحة، لذا لن نفعل شيئاً على حساب ديننا لأننا سنصبح بلا دين ولا دنيا :
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا
فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
7- ابتكار الحلول :
لا توجد قوانين وأنظمة بشرية مقدسة. إنها موضوعة بهدف تقنين أشياء معينة في أوقات معينة وبما أن التطور يعني الاستمرارية لا بدّ أن يأتي وقت لا تعود فيه تلك الأنظمة تؤدي الهدف الأساسي منها وتصبح أداء لعرقلة مرور التنمية بدلاً من ضمان تدفق الحركة في صورة طبيعية. المناطق الحرة تقدم وسيلة ناجحة لتخطي العقبات التي يمكن أن تتضمنها بعض بنود القوانين والأنظمة والإجراءات لكن هذه العملية ليست خبط عشواء.
مهما تكن الخبرة عميقة فلا بدّ ان تكون هناك خبرة أعمق منها. إذا قررت دعوة الشركات الأجنبية للاستثمار في بلدي فلا أستطيع ان احدد لها ما الذي يجب ان تفعله بالضبط. أهل مكة أدرى بشعابها. أنا أريد للشركات النجاح لكن لست أنا أفضل من يعرف كيف تستطيع الشركات تحقيق النجاح بل الشركات نفسها.
أفضل الحلول أحياناً هو أسهلها، ونريد تسهيل الأمور على الشركات وعلى أنفسنا ونريدها ان تحقق النجاح بأسرع وقت ممكن لذا عندما تقرر الشركات العالمية دخول سوقنا نطلب منها تقديم لائحة رغبات wish list بما تتوقعه ثم نحاول تحقيق تلك الرغبات وموافقتها مع القوانين والأنظمة والإجراءات وتذليل كل العقبات.
8- الأمن والاستقرار :
ليس الربان الجيد من يستطيع توجيه سفينته في المياه الهادئة بل من يقودها إلى بر السلامة وسط الزوابع. عندما ترتفع الأصوات الغاضبة يجب ان يكون هناك من ينادي بضبط النفس والهدوء، وإذا تراجعت الثقة يجب ان يكون هناك من يقويها، وإذا ساد القلق يجب ان تظهر الشجاعة. الأمن والأمان حقان لشعبنا وللمستثمرين في بلدنا يجب ان نضمنهما مهما تكن الظروف. نحن بلد مسالم لا علاقة لنا بالتوتر، لكن إذا أثر التوتر حولنا في الثقة فإن سياستنا تقوم على المسارعة إلى طمأنة الناس وملاقاة الأزمة في الطريق قبل ان تصل إلينا وتأكيد ثقتنا ببلدنا من خلال الإعلان عن المشاريع الاستثمارية والتوسعات والتوجيه بعدم إلغاء أي مناسبات مقررة مهما تكن الأسباب.
9- الاستمرارية :
الامتياز بالنسبة لنا لا يعني فقد القدرة على تقديم الجودة والعمل المتميز والخدمة المتميزة بل القدرة على تقديمها دائماً. توجد تنمية في دبي لكن توجد تنمية في أي مكان لذا فإن رؤيتنا لم تستهدف منافسة التنمية في أي مكان بل منافسة مراكز الامتياز الدولية. مقارنة أنفسنا بالدولة المتقدمة هو الصح والمطلوب لأننا نستطيع حينئذ تمكين أنفسنا من المنافسة على مستوى العالم وتحقيق التقدم، وإن أخفقنا فنحن إلى تراجع، إن نجاحنا هو أحد أسباب ثقتنا العالية بأنفسنا وقدراتنا وأحد أسباب ثقة الناس بنا. كنّا نرسل الوفود إلى المطارات الدولية ذات الخدمة المتميزة لكي نتعلم ونقارن ما يفعلونه بما نفعله ونطلع على تجاربهم، والآن نستقبل وفوداً من تلك المطارات جاءت إلى دبي للغاية التي ذهبنا من أجلها. مطار دبي كان الأفضل بين أهم 40 مطاراً في العالم طبقاً لمعايير محددة وتقدم على مطارات سنغافورة وهونغ كونغ وغيرهما. أحد معايير الجودة هو أن تفوق توقعات المتعامل ورضاه. إذا كان المسافر يتوقع ان ينجز إجراءات الهجرة والجمارك في المطار خلال ساعة من هبوط طائرته وإذ به ينجزها خلال نصف ساعة فهذه خدمة نوعية. إذا توقع المتعامل إنجاز معاملة حكومية خلال يومين وأنجزها خلال يوم واحد فهذه خدمة متميزة لكن هذا ليس نهاية الجودة.
توقعات الناس لا تتوقف عند حد وهي باب دوار وقضية متحركة. إنهم يبحثون دائماً عن الأفضل والأسهل لذا يجب الاستمرار في مفاجأة المتعاملين بتقديم الأفضل. من كان يتوقع إنجاز إجراءات الوصول خلال نصف ساعة صار يتوقعها خلال عشرين دقيقة، ومن كان يتوقع إنجاز المعاملة الحكومية خلال يوم بات يتوقعها خلال ثلاث ساعات وهكذا. إذا لم أستطع مفاجأة المتعامل بتقديم الأفضل دائماً فأنا توقفت عن تقديم الخدمة المتميزة وبدأت أتراجع وبدأت سمعتي التي بنيتها على تقديم الجودة في التراجع وسأفقد في أشهر ما بنيته في سنوات. من يقارن بين دبي الآن ودبي قبل بضع سنوات خلت سيلمس التطور الكبير الذي تحقق لكن كلما طورت وحسنت وأضفت ستكتشف وجود أشياء جديدة يجب ان تضيفها فالرحلة مستمرة والطريق طويل. |