الأذن أداة من أدوات الاتصال الإنساني لا تقل أهمية عن أعضاء الإنسان الأخرى وهي نعمة إلهية كبيرة لا يمكن تعويض فقدانها.ولا يدرك عظمة هذه النعمة إلا من حُرم منها، فهي لا تقتصر علي وظيفة سماع الأصوات ومنع تحول العالم إلي عالم صامت لكنها تعمل أيضاً كعضو للتوازن ولذلك حظي هذا الجزء من جسم الإنسان بمكانة خاصة.
وقد وردت لفظة أذن وآذان في القرآن الكريم مرات عديدة ومن ذلك قوله تعالي (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) البقرة الآية 2 ، (أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها) الأعراف الآية 7 ، (إنا جعلنا علي قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) الكهف الآية 18 (جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم) نوح الآية 71 .
وجاء في معاجم اللغة (الأذن عضو السمع في الإنسان والحيوان وتصغيرها أذُينة وعروة الإبريق (ج آذان) ومن المجاز: فلان أُذن إذا كان سُمعة لما يقال له، ومن هذا قوله تعالي في كتابه الكريم (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) سورة المائدة الآية 5 .
ويُقال هو إذن قومه إذا كان ينصحهم وأذن الحمار عشب كثير الشوك وآذان الفيل: القلقاس وآذان الحيطان يقصد بها النمام وأذن الفأر نبت بارد رطب يدق مع سويق الشعير ويوضع علي ورم العين الحار فيحلله، وقد تغني الشعراء بهذا الجزء الحميم من جسم الإنسان وكان لهمس المحبوب في الأذن وقع السحر في نفوس هؤلاء الشعراء، فقد قال بشار الذي كان ضريراً يعشق بواسطة أذنه:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحياناً
هل من دواء لمشغوف بجارية
يلقي بلقياها روحاً وريحانا
وجعل أبو تمام الأذن بمنزلة العين من حيث الوصف والمشاهدة:
قالوا: بمن لا تري تهذي فقلت لهم
الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
وقال الشريف الرضي:
والعذل أثقل محمول علي أذن
وهو الخفيف علي العذال إن عذلوا
فقد (جعل الأذن تحس وتشعر وكأنها مستقلة بإحساسها وفي ذلك تأكيد لدور هذا العضو في تبيان أثر ما يتلقي وانعكاس ذلك علي وجه الإنسان حيث يتجلي تأثيرها من خلال وجهه)، كما يقول أحد الباحثين وهو على ما أعتقد الدكتور محمد رفعت زنجير في دراسة له بعنوان (لغة الجسد في الشعر العربي).
مثل غيرها من جوارح الإنسان ارتبطت الأذن بالكثير من صور ومظاهر التراث الشعبي سواء في المعتقدات أو الكنايات أو الأمثال أو الطب الشعبي.
ولعل أبرز ظاهرة تتعلق بالإذن في التراث الشعبي العربي هي الطنين فطنين الإذن يحمل معاني ورموزاً في المعتقدات الشعبية وكان القدماء إذا طنت أذن أحدهم قال تُري من ذكرني ولا زالت هذه الظاهرة شائعة لدي شريحة واسعة من الناس في الوطن العربي، ويري العامة أن طنين الأذن اليمني فأل حسن والشخص الذي تطن أذنه اليمني يفسر ذلك بأن شخصاً ما يذكره بخير وهو يعتقد بأن طنين الأذن اليسري يعني أن شخصاً ما يغتابه ويذكره بسوء ويردد في هاتين الحالتين عبارة (خير.. خير إن شاء الله) وفي بعض الأوساط الشعبية إذا طنت أذن أحدهم فإنه يعتقد أن أحداً ما يذكره في تلك الساعة فيضع يده علي أذنه ثم لا يزال يذكر أسماء من يظن أنهم ذكروه بعد أن يسد أذنه بوضع يده عليها، فإذا ذكر الاسم الذي كان يذكره سكت الطنين،وكان العرب يعتقدون أن الأذن الكبيرة المنتصبة تدل علي الحمق والهذيان وورد في (أخبار الحمقي والمغفلين) لابن الجوزي أن من صفات الأحمق صغر الأذنين وروي ابن الجوزي في كتابه المذكور آنفاً أن جماعة من أهل حمص((وهم أهل الفكاهه في سوريا)) تذاكروا في حديث الأعضاء ومنافعها فقالوا الأنف للشم والفم للأكل واللسان للكلام فما فائدة الأذنين ! فلم يتوجه لهم في ذلك شيء، فاجمعوا علي قصد بعض القضاة ليسألوه، فمضوا فوجدوه في شغل فجلسوا علي باب داره، وإذا هناك خياط فلَّ خيوطاً ووضعها علي أعلي أذنه فقالوا قد أتانا الله بما جئنا نسأل القاضي عنه وإنما خُلقت للخيوط وانصرفوا مسرورين مما استفادوا.
للحيطان آذان
قاموس الأمثال الشعبية مليء بالعبارات التي تتناول هذا الجزء الهام من جسم الإنسان فحسب هذه الأمثال (للحيطان آذان) كناية عن ضرورة الحذر لدي الحديث عن موضوع حساس لا يجوز أن يطلع عليه الآخرون، وإذا أراد أحدهم أن يصف إنساناً لا مبالياً بما يسمع يقول:
(أذن من طين وأذن من عجين) ويقول المصريون (عشمتني بالحلق خرَّمت وداني) ، ويقولون غسيل التنين (يوم الاثنين) شدة ودين ووجع أذنين، وإذا أراد أحدهم أن يصف إنساناً لا يعير بالاً لما يُقال له يقول: (مطنَّش) أو (عطاها الطرشة)
والأذن كانت عرضة لاختبار أم العريس التي تريد أن تخطب لابنها إذ كانت تصرخ في أذنها لاختبار سمعها مثلما كانت تختبر قوة أسنانها واعتدال مشيتها ونعومة صوتها ومتانة شعرها، وفي الكتاتيب القديمة كانت الأذن وسيلة لتأديب وعقوبة الطفل المقصر أو المشاغب حيث كان شيخ الكتاب يفرك أذن هذا الطفل حتي يصرخ ويتعهد بعدم العودة إلي ما فعل، فالأذن هنا جزء مما هو مسموح للشيخ به لدي تأديب الطفل إذ يقولون له (اللحم إلك والعظم إلنا). وإذا وُلد الطفل قام أبوه أو أحد أقاربه بالتكبير في أذنه اليمني وهي سنة نبوية مندوب إليها إذ روي أبو رافع مولي رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديث أخرجه أبو داوود في كتاب الأدب والترمذي في كتاب الأضاحي قال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم أذَّن في أذن الحسين بن علي حين ولدته أمه فاطمة عليها السلام).
وارتبطت الأذن بالكثير من مظاهر الطب الشعبي واستُخدمت بعض الوصفات الشعبية لمعالجة آلامها مثل زيت الزيتون والزعتر ويتم ذلك بأن يقطر زيت الزيتون أو ماء الزعتر في الأذن وفي بعض الأحيان يخلط زيت الخروع مع كمية من الفلفل الأسود المدقوق وتوضع في أذن المريض وأيضاً قد يستخدم الليمون والثوم لعلاج آلام الأذن، وفي حالة سيلان الدم من الأذن يؤخذ عليق مع الخل ويقطر في الأذن أو دهن ورد خل ويسخن ويقطر فيها عصارة ورق (الطمبل) أو (دن ورد لبن) أو لبن امرأة، وللطنين يقطر فيها القطران مع العسل ولتقيح الأذن يقطر فيها بول الطفل أو النعناع مع العسل وفي حالة الصداع يوضع الزعفران بعد حكه مع الخل علي الصدغين فيسكن الصداع وكذلك يستعمل الزنجبيل بعد خلطه مع الخل حتي تشكل لبخة علي الرأس من الأذن اليمني إلي اليسري وتستعمل المستكة في حالات ألم الأذنين أو الصداع بعد تسخينها وتلصق بواسطة قطعة مستديرة علي جانبي الرأس أو تسخين المستكة مع السمن البلدي وتقطيرها في إحدي الأذنين.
هذه هي الأذن الحاضرة الغائبة في رحلة الإبداع الإنساني، افتقدها الموسيقار المبدع بيتهوفن لكنه شنَّف آذاننا بأروع الألحان، ولم يجد الفنان العالمي فان كوخ هدية أفضل منها يمكن أن تُهدي للحبيبة فقطعها وأهداها لمعشوقته بعد أن وصل إلي مرحلة من اليأس والقنوط أدت إلي انتحاره فيما بعد وظلت ذكري أذنه خالدة علي مر الأيام.
منتديات فزاع غير مسؤولة عن أي تعليق أو مواضيع يتم نشرها من خلال الأعضاء. ولا تعبر عن رأي منتديات فزاع ولا نتحمل أي مسؤولية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر) فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به.